القاضي عبد الجبار الهمذاني
417
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وإذا صح ذلك فلقائل أن يقول إنما يجب الإغراء على ما ذكرتم متى لم يكن له سبيل إلى العلم بحسن الألم إلا بأن يعرفه تعالى أو يدل على أنه مستحق . وأما إذا كان له سبيل إلى معرفة ذلك في الجملة من حيث يعلم أنه تعالى لا يفعله إلا على وجه يحسن عليه - وإن شك على التفصيل في وجه حسنه هل هو للنفع أو الاستحقاق - فالإغراء غير واجب . وذلك مما يضعف هذه الدلالة من هذا الوجه . ونحن نتقصاها في الوعيد ، لأن الاعتماد عليها يصح في وجوب تعريف أهل النار أن ما ينزل بهم من الآلام يجب أن تكون مستحقة ؛ لأنه لا وجه يحسن فعلها في الآخرة إلا هذه الوجه . وليس كذلك حال آلام الدنيا ، لأنها يجوز أن تفعل على وجهين . ومما يدل على ما قلناه أن هذه الآلام لو كانت عقوبات على ما تقدم من المعاصي وكانت الدنيا دار الثواب والعقاب ، لوجب أن لا يحسن منه تعالى التكليف ؛ لأنه إنما يحسن بأن يكون تعريضا لمنزلة عظيمة مفارقة لما يحصل عليه التكليف من منازل اللذات . وقد علمنا أن مثل هذه المنزلة لا تحصل للمكلف في دار الدنيا فيما يصل إليه من الملاذ . وإذا لم يستحق التكليف لذلك ، فيجب أن يستحق العقاب بالإخلال بالواجب ؛ وفي ذلك إبطال القول بالتناسخ أصلا ، لأنه مبنى على استحقاق الثواب والعقاب . وليس لهم أن يقولوا فيما يناله المكلف في الدنيا من ثواب / أو عقاب أن ذلك مقدم عن وقته كما نقوله في الحدود المفعولة بالمصر . ولذلك « 1 » لا يثبتون الآخرة ، ولا يجعلون لوقت الثواب والعقاب صفة يفارق بها ما عليه المكلف في الدنيا . فاتجه الكلام عليهم على ما ذكرناه وإن لم يلزمنا مثله فيما تقدم من العقاب ؛ لأنا نقول فيها إنها لما فيها من المصلحة في العاجل ، فتجرى مجرى سائر ما يفعله تعالى من الأمراض وغيرها . وقد بينا من قبل أن المكلف لو علم أن ثواب طاعاته
--> ( 1 ) في الأصل وذلك .